Decisions Archiv - Rosa Luxemburg

Sorry, this site requires a modern browser.

Skip to content

قرارات

ثمن الحرية

روزا لوكسمبورغ على هامش المؤتمر الاشتراكي الدولي في شتوتغارت عام 1907.

عاشت روزا لوكسمبورج في الفترة من 1871 إلى 1919، ونتذكرها اليوم بوصفها كاتبة رسائل شعرية وثورية سياسية متطرفة، وأما مصرعها المأساوى فيمثل غالبًا الدافع للاهتمام بها لأن حياتها وأعمالها تراجعت إلى طى النسيان، ولقد اتخذت في زمنها داخل عالم يحيط بها من رجال الدين والبطريركية والنزعات العسكرية والقومية والتعصب قرارات استثنائية هائلة مثل: أنها هاجرت في عمر السابعة عشر إلى سويسرا وأسست حزبها السياسى عندما بلغت الثانية والعشرين، كما أنها حصلت على الدكتوراة في سن السابعة والعشرين، وفضّلت الإقامة الدائمة في برلين بعيدًا عن باريس عاصمة أوروبا المستنيرة، وعندما أكملت الثامنة والعشرين أصبحت رئيسًا للتحرير، لكن زُج بها في السجن وعمرها ثلاث وثلاثين عامًا، بيد أنها لم تكن المرة الأخيرة حيث وجهت بذات السنة نقدًا علنيًا إلى لينين والبلاشفة، وأخيرًا أُلقيت جثتها وعمرها سبع وأربعين عامًا في قناة لاندوير ببرلين.

1 هجرة بعمر سبعة عشر عامًا الدراسة بلا شك – هجرة روزا لوكسمبورج إلى زيوريخ

وارسو قبالة عام 1900. آمنت روزا لوكسمبورج وهى طفلة “بقوة أن ’الحياة’، الحياة ’الحقيقية’ تكمن في مكان ما بعيد، مكان يقع هناك بعيدًا عن الأسطح ومنذ ذلك الوقت وأنا أسافر خلفها لكنها تختبئ دومًا خلف أسطح ما.” (خطاب إلى لويزا كاوتسكى عام 1904).

تنحدر روزا لوكسمبورج من طبقة متعلمة غير ميسورة الحال لكنها لم تصبُ دائمًا إلى الحفاظ على التعليم والثقافة فقط بل جعلتهما أسلوب حياة، ولدت روزا لوكمسبورج في عام 1871 بمدينة عصر النهضة زاموشتش الصغيرة الواقعة بجنوب شرق بولندا الحالية، بيد أن أسرتها ما لبثت أن استقرت بعد ذلك بسنتين في العاصمة وارسو حيث حصلت روزا لوكسمبورج على شهادة الثانوية بتقدير ممتاز ولكن مشروع زواجها الذى أراده الوالدان فشل بسبب الصداق، ثم حصلت الحالمة بالدراسة الجامعية بصفتها آنسة أكثر من إمرأة على موافقة والديها والسلطات القيصرية بالسفر عام 1888 إلى سويسرا، وتعد هذه الخطوة بمفاهيم اليوم خطوة نسوية متحررة.

لينا (لقب الميلاد لوفنشتاين) وإدوارد (إلياس وبالألمانية إلياش) لوكسنبورج، كانت والدة روزا لوكسمبورج تتتسب إلى أسرة معروفة إلى حد كبير من حاخامات بولندا وكان شقيقها الأكبر بيرنارد لوفنشتاين حاخام للمعبد اليهودى التقدمى بمدينة لمبرج من عام 1862 حتى عام 1889، وأما والدها فهو الإبن الأصغر لعائلة يهودية تعمل بالتجارة وتنحدر من مدينة وارسو لكنه ولد  – مثل الأطفال الخمسة لعائلة لوكسنبورج – في مدينة زاموشتش وانتقلت الأسرة في عام  1873 إلى مدينة وارسو حيث عاشت حتى عام 1890 في حى أغلبيته يهودية وينتشر فيه استخدام اللغة اليديشية، اختار الوالد بتصميم الإندماج في الثقافة البولندية المميزة – أى أنه اختار اللغة والثقافة البولندية.
روزا لوكسمبورج في الثانية عشر من عمرها. عانت منذ أن كانت طفلة من إصابة بفخذها بسبب علاج طبى خاطئ وعلمت نفسها بنفسها القراءة – على فراش المرض، كانت الأسرة تقرأ البولندية والألمانية والفرنسية، لكن إتمام المرحلة  الثانوية كان فقط بالروسية، لغة المحتلين، بينما كانت الأم تفضل الأدب الفرنسى دأب الأب على قراءة الأدب الألمانى حيث أصبح جوته رفيق روزا لوكسمبورج الدائم حتى في مساء يوم اغتيالها كانت تقرأ قبل التحقيق معها بفندق إيدن في مسرحية „فاوست „II. 

روزا لوكسمبورج عند أسرة شقيقها ميكولاى في برلين بمناسبة عيد الفصح 1902. تكونت ذرية أسرة لوكسمبورج من ابنتين وثلاثة أولاد وروزا الصغرى، ورغم انتماء والديها إلى طبقة المتعلمين التى عانت من مشاكل مالية نتيجة الاقتصاد الرأسمالى إلا أن الأبناء الذكور أصبحوا أصحاب شركات وأكاديميين ناجحين، عاشت الأسرة التى تجزأت إلى أسر صغيرة بأرجاء متفرقة من أوروبا كافة، كانت أسرة لوكسمبورج مواطنين عالميين حيث لم يحظَ التوجه القومى بمكانة كبيرة في حياتهم.  

2 لا لدراسة علم الحيوان إدمان روزا لوكسمبورج للسياسية

زيوريخ الجامعة القديمة عام 1890 (تسمى اليوم الجامعة الفيدرالية السويسرية للتكنولوجيا)، ولقد سُمح لها بالدراسة عام 1840 في أوروبا لأن لائحة الجامعة المؤسسة عام 1833 لم تحدد جنس الطلاب وهى أول مؤسسة للتعليم العالى تقبل النساء.    
كانت رسالة دكتوراة روزا لوكسمبورج الصادرة عام 1898 تهدف لخدمة العمل السياسى وفقًا لعنوانها حيث تناولت “تطور الصناعة في بولندا“، بيد أن روزا لوكسمبورج تطرقت فيها بالأخص إلى نشأة جماعتها المستهدفة: العمال الذين أرادت روزا لوكسمبورج قيادتهم في كفاحها ضد القيصرية والرأسمالية.  

إدمان روزا لوكسمبورج للسياسية
نشأ مجتمع موازى للرأسمالية لكنه مناهض لها في غرف علوية بلا مدافئ بمدينة زيوريخ الصغيرة الريفية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر على يد طلاب وطالبات مهاجرين من أوروبا الشرقية، وإن كانت روزا لوكسمبورج تختلف عن كثير من أقرانها من الرجال والنساء وخاصة من روسيا وبولندا الذين نفوا إلى سويسرا، بينما كانت رحلتها إلى هناك عن رغبة منها مما جعلها تحس وكأنها في بيتها رغم تواجدها بمجتمعين في زيوريخ، شرعت أولًا في دراسة علم الحيوان ثم تركته بعد ثلاث سنوات وتوجهت إلى العلوم السياسية، كما أدمنت حب رجل ثم حب السياسة، وأسست مع حبيبها ليو جوجيشيس بالتعاون مع صديقين آخرين هما يوليان مارشليفسكى وأدولف وارسكى في عام 1893 الحزب البولندى الاشتراكى الديمقراطى، لكنها كتبت إلى ليو يوجيشيس في عام 1905 قبيل إنفصالها عنه: “لقد كرهتك لأنك الشخص الذى قيدنى بهذه السياسة الملعونة إلى الأبد.”[1]

1 روزا لوكسمبورج إلى ليو جوجيتشيس فى 20 اكتوبر 1905، فى: الرسائل المجمعة، جزء 2، طبعة منقحة ومزيدة، برلين 1999، ص 209.

ليو جيوجيتشيس (1867-1919). ينحدر من عائلة يهودية تعمل في قطاع البنوك هاجرت عام 1890، وكان رئيس حركة الديمقراطية الاجتماعية البولندية ودرس علم الحيوان لكنه لم يستكمل دراسته، أصبح بصفته ممثلا للديمقراطية الاشتراكية لمملكة بولندا وليتوانيا (SDKPiL حتى 1900 SDKP) في قيادة الاشتراكية الديمقراطية الروسية (1906-1912) خصما للينين، كان إبان الحرب العالمية الأولى منظمًا للمقاومة ضد العسكر بألمانيا ثم أغتيل أيضًا بعد ثمانية أسابيع من مقتل روزا لوكسمبورج في سجن مواهبيت في برلين. 
روزا لوكسمبورج 1895 غالبًا في باريس. أصبحت الإنسانة الخاضعة في أوروبا الغربية والتى لم تكن في جميع الأحوال خاضعة تمامًا، مواطنة واثقة من نفسها – لقد انتمت إلى ذلك النوع من المواطنين الذى ولدته الثورة الفرنسية ولم يجد موطنًا له بتاتًا في ألمانيا.

صدر العدد الأول من صحيفة “Sprawa Robotnicza” (قضية العمال)، لسان حال الحزب الاشتراكى الديمقراطى لمملكة بولندا (SDKP)، الذى دخل الإمبراطورية القيصرية بطريقة غير شرعية في يوليو 1893، كانت الصحيفة تصدر في زيوريخ لكنها طبعت في باريس وصدر منها 25 عددًا حتى  يوليو 1896، اكتسبت روزا لوكسمبورج خبرةً في التحرير هناك حيث ساهمت بأكثر من 30 مقالًا دون الكشف عن هويتها، والتى عرفت لاحقًا، أُجبرت الصحيفة على التوقف عن الصدور بعد أن حلت الشرطة القيصرية هياكل الحزب الاشتراكى الديمقراطى في بولندا.

3 روزا لوكسمبورج تطأ بساط المسرح السياسى الأوروبى التراجع عن القرار

مع أوجوست بيبل عام 1904 أثناء المؤتمر الدولى السادس للاشتراكيين في مدينة أمستردام. حصلت روزا لوكسمبورج لمشاركتها في هذا المؤتمر على تفويض مزدوج من الحزب الاشتراكى الديمقراطى والحزب الاشتراكى الديمقراطى البولندى الليتوانى، اختارها المؤتمر لعضوية المكتب الاشتراكى الدولى وكان أوجوست بيبل (1840-1913) إلى جانب فيلهيلم ليبكنشت من مؤسسي المؤتمر عام 1869، وظل بيبل ممثلًا بارزًا للديمقراطية الاجتماعية الألمانية والدولية حتى وفاته.

استقرت لوكسمبورج بعد مناقشتها للدكتوراة في عام 1988 في مدينة برلين، وعرضت خدماتها على الحزب الاشتراكى الديمقراطى هنا بصفتها داعمة له في أراضى بولندا المحتلة من بروسيا حيث أرادت أن تحرز أيضًا نجاحًا أكبر في التطورات بالجزء الذى تحتله روسيا من بولندا، لكن ذلك دفعها في غضون بضعة أشهر بلا تخطيط وعلى نحو غير متوقع البتة إلى ساحة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية والأوروبية: بحثت روزا لوكسمبورج هذه القضية في مقالها عام 1989 بعنوان “إصلاح اجتماعى أم ثورة؟” كما عارضت فيها علانيًة محاولة إدوارد بيرنشتاين مراجعة آراء ماركس، وبذلك تكون الشابة التي افتعلت شجارًا مع واحد من أعلى سلطات اليسار لأن بيرنشتاين كان منفذ وصية ماركس وإنجلز، لقد احتاجت قبل ذلك بعامين دعم إليانور ماركس أفيلينج ابنة كارل ماركس الصغرى حتى يُسمح لها فقط بالمشاركة مع حزبها في مؤتمر للاشتراكية الدولية، وبذلك تحولت في عمر الثامنة والعشرين من شابة يهودية تقطن في سكن للطلاب بزيوريخ إلى شخصية أوروبية معروفة، وأما عدد أعدائها فزاد دائمًا عن أصدقائها لكنها منحت الأولوية لقناعاتها عن الولاء لأى فريق.

بازل عام 1898. أرادت روزا لوكسمبورج أن تحمى نفسها من الترحيل إلى روسيا، ولكى تصبح مواطنة بروسية تزوجت زواجا صوريًا من جوستاف لوبيك منسق حروف الطباعة (1873-1945) وهو ابن مالكة  أول سكن استأجرته روزا لوكسمبورج في زيوريخ والتى كانت بدورها مهاجرة من بروسيا، واستمر هذا الزواج الصوري حتى عام 1903.
“إصلاح اشتراكي أم ثورة؟” (1899). كان هذا يُعد حينها ثنائية زائفة وأثار ما يسمى بالجدل التحريفي  بيد أن روزا لوكسمبورج كانت ترى في الواقع اتصالًا بين الإصلاح والثورة، وجادلت بأن الديمقراطية الاجتماعية يجب ألا تغفل عن هدفها الثورى في خضم عمل الإصلاح اليومى، وهذا النهج تأصل اليوم تحت مسمى “السياسة الواقعية الثورية”. 
إدوارد برنشتاين (1850-1932). جادلت روزا لوكسمبورج آراء إدوارد برنشتاين بالرد على الاتهام بأنها “مجندة شابة في الحركة أرادت توجيه المخضرمين القدامى” بقولها: “أعلم أنه يجب عليّ أولاً أن أثبت منزلتى في الحركة الألمانية لكننى أريد أن أفعل ذلك في الجناح اليساري حيث نحارب العدو وليس في الجناح اليمينى، إن الغاية هى التنازل أمام العدو […]”. (روزا لوكسمبورج: خطاب في مؤتمر الحزب الاشتراكى الديمقراطى عام 1898 في شتوتجارت، في: ذات المصدر: الأعمال المجمعة، جزء 1/1، برلين 1970، ص 238).
المكتب الاشتراكي الدولي (ISB) الذى انتُخب عام 1904 في أمستردام حيث كانت روزا لوكسمبورج – من بين أغلبية من الرجال الأكبر سنًا –  تنتمي إليه حتى عام 1914، وقد قام هذا المكتب في المؤتمرات بالعمل على التنسيق بين الدوليين الاشتراكيين.
برلين، شارع أونتار دين ليندن، قبالة عام 1900. كتبت روزا لوكسمبورج عقب وصولها إلى برلين بفترة وجيزة: “تعطيني برلين أسوأ انطباع بوجه عام: باردة وفاترة وشاسعة – إنها حقًا ثكنة العسكرية وهؤلاء البروسيون الأعزاء بغرورهم كأن كل منهم قد ابتلع عصًا عُذب بها من قبل.” (روزا لوكسمبورج إلى ماتيلدا وروبرت زايدل، 30 مايو 1898، في: الرسائل المجمعة، جزء 1، برلين 1982، ص 136).

4 قول الصدق مهما كان الثمن قرار عدم خشية قول الحق

روزا لوكسمبورج، دويتز 1910. اكتظت أكبر القاعات والميادين أمامها بالناس بصفتها خطيبة حيث كان من الصعب – بدون التكنولوجيا الحالية – إيصال صوتها، هذه صورة لها خلال حملة حول حق الانتخاب عام 1910.

لقد جاء على لسان فرديناند لاسال مؤسس الحركة العمالية الألمانية المستقلة أن العمل الأكثر ثورية هو “البوح بصوت جهور بالمنشود”، هذا هو ما حرصت روزا لوكسمبورج على فعله منذ أن وطأت قدماها بلاط السياسة، سواء بصفتها صحفية أو عند إلقاء خطبها أو حتى عند استجوابها أمام المحكمة بسبب أفعالها، ومن ثم زُج بها في السجون مرات عديدة، حيث مكثت فيه نيف أربع سنوات من عمرها الذى ناهز الثامنة والأربعين عامًا: أول مرة في تسفيكو بألمانيا عام 1904 بسبب إهانة الذات الملكية، ثم ثلاث مرات في سجون وارسو ببولندا عام 1906 جرّاء المشاركة في الثورة الروسية، وبعدها لأول مرة في سجن النساء في شارع بارنيم ببرلين عام 1907 بتهمة التحريض على العنف، لكنها أودعت بعد ذلك مرة ثانية بذات السجن عام 1915 لمدة سنة كاملة بحجة الدعوة للعصيان، وتلتها الفترة من عام 1916 إلى التاسع من نوفمبر 1918 في سجن قسم الشرطة بميدان ألكسندر، ثم مرة أخرى بسجن شارع بارنيم وبعده ورنكى بالقرب من بوزنان، وفي عام 1917 في بريسلاو بذريعة مواصلة الأعمال المناهضة للعسكر، إن روزا لوكسمبورج لم تخشَ رغم ذلك أن تعلن عما تراه صوابًا.

رسم  روزا لوكسمبورج. أمضت وقتًا طويلا من عمرها في السجن، وأكثر منه في قطارات تجوب بها أركان أوروبا – ليس فقط من أجل إلقاء خطب بل كانت تقضى وقتها في الرسم الذى أصبح في أثناء فترة سجنها الطويلة إبان الحرب العالمية جزءًا من استراتيجيتها الخاصة في البقاءعلى قيد الحياة.

لم تكن روزا لوكسمبورج صحفية وكاتبة ناجحة فحسب بل محررة أيضًا حيث كانت المرأة الوحيدة التى ترأست هيئة تحرير أكبر ثلاث صحف اشتراكية ديمقراطية: “زاكسيشه أربايتر تسايتونج” (صحيفة عمال ساكسونيا) (دريسدن) عام 1898 و”لايبتسيجرفولكس تسايتونج” (صحيفة لايبتسيج الشعبية) عام 1902 وصحيفة الحزب المركزية “فورفيرتس” (إلى الأمام) (برلين) عام 1905. وقد أُجبرت على ترك أول منصبين قياديين لأنها أنثى حيث شعر السادة المحررون الذكور بالإهانة.
كتبت روزا لوكسمبورج عام 1898 بشأن بكتابة المقالات لصحافة الحزب: “أنا غير راضية عن الطريقة التى تكتب بها المقالات عادًة في الحزب، إنها تقليدية للغاية وجافة ونمطية. […] أعتقد أنه يتوجب علينا أن نعيش القضية ونشعر بها من جديد في كل مرة وكل يوم ومع كل مقال؛ عندها يمكن إيجاد كلمات جديدة فقط  صادقة ومؤثرة لنفس القضية القديمة المألوفة…” (روزا لوكسمبورج إلى روبرت زايدل، 23 يونيو 1898، في : ذات المصدر: الرسائل المجمعة، جزء 1، برلين 1982، ص 153).

5 برلين بلا كعكة بتاتًا قرار التغلغل في ثورة

سانت بطرسبورج، أمام القصر الشتوي، يناير 1905. كان من المسلّم به حتى عامى 1904/1905 على نطاق واسع أن الجيش الروسي أولًا لا يُهزم في آسيا، وثانيًا أن روسيا ظلت خارجة عن سياق التاريخ لأن الروس تحملوا كل شيء بلا اعتراض، لكن انتصارات الجيش الياباني لم تفضح هذا الافتراض الأول فحسب بل أغرقت روسيا أيضًا في أزمة اقتصادية أشعلت فتيل هذا النقص المزعوم في التاريخ، وكان من الممكن هذه المرة إخماد الثورة.




اتسعت رقعة الثورة الروسية التى بدأت في عام 1905 في سانت بطرسبورج بسرعة في كل أرجاء الإمبراطورية بما في ذلك المناطق الصناعية في بولندا، والتى كانت تحت وطأة الاحتلال الروسى، سعت روزا لوكسمبورج بصفتها رئيسًا لتحرير مجلة الحزب الاشتراكى الديمقراطى بألمانيا المركزية “فورفيرتس” (نحو الأمام) في برلين أن تلقى الضوء بمقالات شبه يومية على أهمية الثورة لهم ولكن بلا جدوى تذكر، ومن ثم طفح بها الكيل في نهاية ديسمبر 1905 واستبدلت أيضًا وظيفتها الآمنة ذات الأجر الجزيل بالأعمال المخالفة للقانون في وارسو لكن ألقى القبض عليها مع ليو جوجيتشيس شريك حياتها في الرابع من مارس 1906 قبل عيدها ميلادها الخامس الثلاثين وظلت رهن الاحتجاز إلى منتصف يوليو في سجون عدة، منها سجن “جناح إكس” سيء السمعة بقلعة وارسو حيث كان يُعتقل “السجناء السياسيون”.

وارسو 1905، إضراب بائعى الصحف. أبلغت روزا لوكسمبورج لويز وكارل كاوتسكى في برلين بنبرة حادة يائسة: “… صعوبات جمة في المطابع واعتقالات يومية تهديد بالإعدام للمعتقلين. […] فوضى عارمة في التنظيم وصراعات داخلية رغم الوحدة وكآبة عامة، ليت هذا يبقى بيننا.” (روزا لوكسمبورج إلى لويز وكارل كاوتسكى، 5 فبراير 1906، في: ذات المصدر: الرسائل المجمعة، جزء 2، الطبعة الثالثة المنقحة المزيدة، برلين 1999، ص 246-247).
ديسمبر 1905: مقال روزا لوكسمبورج الافتتاحى بالصفحة الأولى لجريدة “فورفيترس” (إلى الأمام) عن القلائل في الأسطول القيصرى بالبحر الأسود.
من سجن وارسو عام 1906. لقد سُجنت روزا لوكسمبورج في وارسو – كانت تسافر بوصفها صحفية ألمانية تحت اسم أنّا ماتشكا، ودفعت عائلتها ومجلس إدارة الحزب الألمانى –  ضد إرادة لوكسمبورج الصريحة ودون علمها حتى يمكن تحريرها من السجن –  كفالة، كتبت بعد ذلك بحماس لكن أيضًا من أجل تهدئة أصدقائها القلقين عليها في برلين: “إن الثورة عظيمة وكل ما عداها هراء.” (روزا لوكسمبورج إلى ماتيلدا وإيمانويل فورم، 18 يوليو 1906، في: الرسائل المجمعة 2، الطبعة المنقحة المزيدة ، برلين 1999، ص 259).

6 داعم الثورة لكن مناهض الإرهاب والانقلابات القرار المصيرى رفض أى اتجاهات شمولية

غلاف كتاب “الإضراب الجماهيرى، الحزب والنقابات العمالية”. سطرت روزا لوكسمبورج هذا النص عام 1906 خلال إقامتها في فنلندا وذلك قبيل مغادرتها لحضور مؤتمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وقد قوبل مطلبها بإدراج الإضراب الجماهيري السياسي ضمن مناهج النضال الطبقى الشعبى بمقاومة متزايدة من قيادة الحزب حيث تجاوز دور ممثليهم في البرلمان منذ أمد بعيد مشاركة أنصار الاشتراكية الديمقراطية في النضال الطبقي السياسي.

توارت روزا لوكسمبورج بعد إطلاق سراحها من سجن وارسو تحت اسم فيليسيا بوديلوفيتش (“المرأة السعيدة [التى أعيدت للحياة]”) لمدة شهر ونصف في فنلندا، والتى كانت تحت وطأة الاحتلال الروسى أيضًا ولكنها كانت تُحكم بطريقة أكثر ليبرالية، ولم تزر فيها متخفيًة رفاقها المناضلين ليون تروتسكى وألكسندر بارفوس وليو دويتش بشكل متكرر في سجن بطرسبورج فقط، بل ناقشت أيضًا على مدى عدة أسابيع أمر الثورة التى قمعت مؤخرًا مع لينين ومجموعته، والذى فر أيضًا إلى فنلندا، بعد ذلك أصبح الأمر جليًا: لقد اتفقوا على حتمية الثورة بيد أنهم لن يتفقوا بتاتًا على كيفية حدوثها – سواء بالإرهاب أو بدونه – كما اكتسبت روزا لوكسمبورج من الثورة خبرة الإضرابات السياسية الجماهيرية الصائبة والتى تعد بمثابة أداة تكتيكية عزمت على توظيفها مستقبلًا للنضال نحو إقامة جمهورية في ألمانيا أيضًا.

مسارات الثورة: لينين (اسمه الحقيقى فلاديمير إيليتش أوليانوف 1870-1924). اختبأ لينين في صيف عام 1917(متنكرًا هنا) في فنلندا مجددًا قبل أن يقود ثورة أكتوبر وقد أشارت روزا لوكسمبورج إلى ذلك بقولها: “قد يرتكب البلاشفة أخطاءً أكثر بكثير لكن تنطبق عليهم المقولة […] عن الحصان النبيل الذى لا يُثير شرارات من الحجارة أكثر مما يثيرها عند تعثره”، ولا شك أن التاريخ سيحكم عليه لاحقًا بما حكم به زيجلر العجوز عند قبر لاسال عندما قال: “لقد كان رجلًا ذا ألف عيب بل رذيلة لكنه كان إنسانًا كاملًا”. (روزا لوكسمبورج: ليس وفقًا للنمط F، في: سبارتاكوس، العدد 8، يناير 1918؛ أعيد نشره في: بول ليفي : بلا قطرة من دم العميل. كتابات، رسائل، رسائل، جزء 1/1: سبارتاكوس، الناشر يورن شوترومبف، برلين 2018، ص 448).
مسارات الثورة: فيليكس دزيرجينسكى (1877-1926) – قاد منذ عام 1900 إلى جانب روزا لوكسمبورج وليو جوجيتشيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي لمملكة بولندا وليتوانيا، وهو حزب مثّل مواقف روزا لوكسمبورج الديمقراطية الاشتراكية في عام 1917، انضم دزيرجينسكى إلى البلاشفة، وبصفته رئيسًا لشرطتهم السرية أصبح رمزًا لـ”الإرهاب الأحمر” الذى طالب به لينين.
مسارات الثورة: ألكسندرا كولونتاى (1872-1952) ناشطة ثورية في مجال حقوق المرأة ومفوضة شعبية (وزيرة) للرعاية الاجتماعية عام 1917، ناضلت من أجل حق المرأة في الإجهاض، وفي  عام 1921 قادت “معارضة العمال” في مواجهة لينين وتروتسكي، ثم أبعدت إلى السلك الدبلوماسي، ونجت من بطش ستالين بصفتها إحدى رفيقات لينين القلائل.
مسارات الثورة: أنجليكا بالابانوف (1869-1965)  قادت في عام 1912 الحزب الاشتراكي الإيطالي، وكانت حليفة لكلارا زيتكين وليو جيوجيتشيس وروزا لوكسمبورج، كما نسقت حركة زيمروالد الدولية المناهضة للعسكر إبان الحرب العالمية الأولى، أصبحت في عام 1919 بصفتها “سكرتيرة” شخصية بارزة في الأممية الشيوعية، ثم انفصلت عن البلاشفة عام 1921وهاجرت.
مسارات الثورة: بارفوس وتروتسكى وليو دويتش في سجن سانت بطرسبورج عام 1906. ليو دويتش (ليف غريغوريفيتش دويتش 1855-1941) أحد قادة المناشفة منذ عام 1903، هرب من المنفي  أربع مرات، أصبح بارفوس (إسرائيل لازاريفيتش هيلفاند 1867-1924) تاجر أسلحة بعد ثورة 1905/1906، بينما قاد تروتسكى (ليف دافيدوفيتش برونشتاين 1879-1940) الانتفاضة البلشفية المسلحة في أكتوبر 1917.

إضراب عام!” كان أشهر وأنجح إضراب سياسي عام في ألمانيا عام 1920عقب اغتيال روزا لوكسمبورج دفاعًا عن النفس ضد ما يعرف بانقلاب كاب، تعد “الإضرابات السياسية”  في ألمانيا  غير قانونية لكن عندما دعت حركة “أيام الجمعة من أجل المستقبل” إلى “إضراب عالمي من أجل المناخ” أحيت في جوهرها فكرة روزا لوكسمبورج عن الإضراب الجماهيرى.

7 التحرر قرار العيش والحب بحرية

كلارا زيتكين زوندل وروزا لوكسمبورج في ماجدبورج عام 1910: “كان آخر رجلين في الديمقراطية الاجتماعية” (روزا لوكسمبورج) امرأتين.

كانت علاقة روزا لوكسمبورج مع ليو جوجيتشيس قد انهارت فعليًا قبل الثورة الروسية عام 1905-1906 وبذلك أنهت بعد خروجها من السجون الروسية علاقتها العاطفية الأولى التى تحولت إلى شقاء، لكن ما تلى ذلك كان تحولًا دراميًا للأحداث: أخذت روزا لوكسمبورج تصريح جوجيتشيس على محمل الجد بـأن كوستيا زيتكين شريك حياتها الجديد سيقتلها ويقتل نفسه، لدرجة أنها اقتنت مسدسًا، بزغ من هنا عهد جديد في حياة روزا لوكسمبورج حيث استقرت الآن في برلين، تلك المدينة التى كانت تمقتها سابقًا مع أصدقاء وأحباء جدد، وواصلت عملها “بصورة مهووسة” إذ ألّفت مقالات كثيرة لصحف بلغات عديدة، وكتبت رسائل ضمن شبكة أوروبية من المراسلين، وحضرت اجتماعات حزبية و مؤتمرات وقبلت دعوات لسلسة من المحاضرات في أنحاء الإمبراطورية كافة.

إن العمل السياسى لروزا لوكسمبورج يتطلب تثقيفًا سياسيًا، ومن ثَم تولت لمدة ستة أشهر بدءًا من عام 1907 تدريس مقرر الاقتصاد كل شتاء بمدرسة الحزب الاشتراكى الديمقراطى براتب سنوى ثلاثة آلاف مارك مما ضمن لها الآن الأمان المالى أيضًا، وكان هذا العمل ملهمًا لها حيث انبثقت منه مؤلفاها الاقتصاديان الرئيسان “مقدمة في الاقتصاد السياسى” و”تراكم رأس المال” وتعد هذه الأفكار إلى اليوم مصدر إلهام لتطبيق الفكر الماركسى متجاوزة فكره نفسه.

مدرسة الحزب الاشتراكى الديمقراطى عام 1910. كانت روزا لوكسمبورج المرأة الوحيدة في هيئة التدريس – تظهر هنا في الصف الخلفي ، تعد المعلمة الأكثر شعبية بالمدرسة ويعود ذلك بلا شك إلى منهجها التربوى: “لقد سعينا جاهدين لتوضيح أنهم من الدرس الأول إلى الأخير لم يكتسبوا بعد المعرفة الكاملة وأن عليهم مواصلة التعلم وأن عليهم التعلم طوال حياتهم”. (روزا لوكسمبورج: مدرسة النقابات العمالية ومدرسة الحزب، في: ذات المصدر: الأعمال الكاملة، جزء 2، برلين 1972، ص 552).
روزا لوكسمبورج ولويزا كاوتسكاى في إجازة معًا بسويسرا في صيف 1909. أحيت لويزا كاوتسكاى (1864-1944) أمام الجماهير ذكرى صديقتها التى اغتيلت.




“تمثل فترة تأليف كتاب “التراكم” بالنسبة لى أسعد فترات حياتى حيث عشت حقًا كما لو كنت في حالة ذهول لا أرى ولا أسمع شيئاً ليلًا ونهارًا سوى هذه الموضوع الذى تجلى أمامى بشكل رائع لكن لا أستطيع أن أحدد ما الذى منحنى متعة أكبر: عملية التفكير إبان السير ببطء غدوًا ورواحًا في الغرفة متأملًة قضية شاقًة […]، أم عملية صوغ النص في قالب أدبى بقلم في يدى.” [2]

2 روزا لوكسمبورج إلى هانز ديفينباخ فى 12 مايو 1917، فى: الرسائل المجمعة، جزء 5، برلين 1984، ص 234.

من بين علاقات روزا لوكسمبورج الجديدة حظيت علاقتها بكوستيا زيتكين (1885-1980)، ابن صديقتها كلارا زيتكين بأكبر قدر من الاهتمام، كانت لوكسمبورج تكبره بأربعة عشر عامًا، معلمته وصديقته وحبيبته وشاركته أفكارها وأحزانها وأفراحها، كتبت بعد انفصالهما: “…وأنا أؤكد أن شخصية المرأة لا تتجلى عند بداية الحب بل عند نهايته.” (روزا لوكسمبورج إلى ماتيلدا ياكوب، 9 أبريل 1915، في: ذات المصدر: الرسائل المجمعة، جزء 5، برلين 1987، ص 54).
روزا لوكسمبورج 1907 في مسكنها. عاشت في برلين حتى اغتيالها في العناوين التالية:
1898/ 1999: 2 شارع كوكسهافين (حى وسط)
1899: 4 شارع (فيلهيلم) هاوف (حى فريدنأو)، 51 شارع لوتسوف
1899-1901: 23 شارع فيلاند (حى فريدنأو)
1901-1911:: 58 شارع كراناخ (حى فريدنأو) 
1911-1919: 2 شارع ليندن (حى زيودإنده).
 
كانت أعز رفيقة سكن لروزا لوكسمبورج هي القطة الضالة “ميمى” لكن لم تتحقق لروزا لوكسمبورج أمنيتها في الإنجاب.

8 أفضل السجن على طلب العفو قرار التنافس منفردةً ضد الجميع (تقريبًا)

مارست روزا لوكسمبورج ومحاموها حتى صيف عام 1914 (هنا في الصورة باول ليفي  الذى ارتبط معها سابقًا بعلاقة عاطفية وكذلك كورت روزنفيلد) ضغطًا هائلًا على الحكومة العسكرية البروسية بتقديم 300 ألف شاهدًا أمام المحكمة على سوء معاملة الجنود إلا أن هذا النجاح الأكبر إعلاميًا لروزا لوكسمبورج لم يغير شيئًا في اقتراب الحرب.
أجابت بعد طلب النيابة العامة بتنفيذ أمر اعتقال عاجل لها بسبب “خطر الهرب”: “سيدي المدعى العام، أصدقك القول بأنك كنت سوف تهرب لكن أى ديمقراطي اشتراكي لا يهرب، بل سوف يبقى وفيًا لأفعاله وسيضحك على عقوباتك.” (روزا لوكسمبورج: خطبة الدفاع أمام المحكمة الجنائية بمدينة فرانكفورت، في : ذات المصدر: الأعمال المجمعة، جزء 3، برلين 1973، ص 406). ذهبت روزا لوكسمبورج ومحامياها الاثنان بعد صدور الحكم في جولة واسعة لإلقاء الخطب – أيضا في قبو كيندل بميونيخ كما أعلن في 21 مارس 1914.

تبنت روزا لوكسمبورج موقفًا بمفردها تقريبًا، وهو الكفاح لأجل حق الاقتراع العام بالولايات الألمانية والدفاع عن الجمهورية، بيد أن النضال ضد عسكرة المجتمع وحرب عالمية وشيكة أصبح أمرًا ملحًا بشكل متزايد، وكما حذرت مبكرًا مثل كارل ليبكنيشت من كليهما، لكن محاولتها جعل الإضراب العام أداة تكتيكية في ذخيرة الديمقراطية الاجتماعية الألمانية كبّدتها بالفعل هزيمة سياسية.

كارل كاوتسكى (1854-1938) يمثل صعود وسقوط الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية، وبصفته منظرًا وكاتبًا فقد ساهم بشكل كبير في تشكيل الأممية الاشتراكية، كذلك تحوّلت صداقته الوثيقة مع روزا لوكسمبورج إلى عداء شديد حتى قبل الحرب العالمية الأولى لرفضها التخلى عن السياسة الثورية.
Eine weltgeschichtliche Katastrophe: die Kapitulation der internationalen Sozialdemokratie – »Juniusbroschüre«
“كارثة تاريخية عالمية: استسلام الديمقراطية الاجتماعية الدولية.” كتبت روزا لوكسمبورج روايتها في السجن وأصبحت تعرف باسم “كتيب جونيوس”. (أعيد طبعه في: روزا لوكسمبورج: الأعمال الكاملة، جزء 4، الطبعة السادسة المنقحة، برلين 2000، الصفحات 49-164).

اتهم مناهضون للسامية في بولندا روزا لوكسمبورج وليو جوجيتشيس بعد الثورة الروسية عامى 1905-1906 بتحريض العمال البولنديين المسيحيين الشرفاء على الانضمام إلى الثورة عام 1905 ثم فرارهما إلى الخارج، وعارضت روزا لوكسمبورج خاصة لهذا السبب نصيحة أصدقائها بالهجرة من ألمانيا عندما أُدينت بتهمة “التحريض على العصيان” عام 1914، كذلك رفضت عفوًا عرضه عليها القيصر، لقد اندلعت الحرب العالمية الأولى في نهاية يوليو 1914، وقبل ذلك بوقت قصير انهارت الاشتراكية الدولية – التى علّقت عليها روزا لوكسمبورج آمالًا كبيرة – بشكل شبه كامل، كذلك نقلت في 18 فبراير 1915 إلى زنزانة في سجن بارنيم للنساء في برلين لمدة عام.

سجن النساء شارع بارنيم  في برلين.
“رحلة إلى باريس” أغسطس 1914. ابتعدت روزا لوكسمبورج بعد اندلاع الحرب في الأسابيع الأولى عن الجميع تمامًا لكن حتى أقرب المقربين إليها تحولوا إلى وطنيين متحمسين، وعانى الشعب الألمانى الذى خضع لسيطرة وقمع وحشية بالغة من قِبل دولة بوليسية عسكرية من الفقر المدقع خلال الحرب بينما كدس مصنعو الأسلحة والمستغلون ثروات طائلة.

9 لا يلين القرار الصمود مهما كان الثمن

زنزانة روزا لوكسمبورج في سجن فرونكه عامى 1916/1917. سُمح لها بزراعة حديقة زهور خاصة بها في ساحة السجن.

واصلت روزا لوكسمبورج حتى بعد إطلاق سراحها من السجن في فبراير 1916 نضالها المناهض للعسكر وفي الأول من يناير 1916 تشكلت حولها دائرة جديدة مع جماعة “الدولية”، التى عُرفت لاحقًا باسم “رابطة سبارتاكوس” نسبةً إلى صحيفتها السرية “سبارتاكوس” ومن ثَم تعرضت للاضطهاد، كانت لوكسمبورج قد صاغت أطروحتها التصميمية لكن صدرت أوامر بعد أقل من ستة أشهر من إطلاق سراحها بوضع روزا لوكسمبورج في “الحجز الوقائى العسكرى”.
اعتادت المرأة المريضة أصلًا بمشاكل في المعدة على علاج نفسها من الاكتئاب، أما الآن وفي ظل ظروف قاسية ازدادت سوءًا في سجن بريسلاو بدءًا من خريف عام 1917 لم يعد الأمر يقتصر على الحفاظ على توازنها النفسى فحسب بل امتد ليشمل رفع معنويات صديقاتها لنيل الحرية، ويمكن معرفة النتيجة من كتاب “رسائل من السجن” وهو عمل أدبى عالمى ظهر صدفًة، وكما نشأ في سبتمبر وأكتوبر من عام 1918 مخطوط أدبى عالمى آخر أيضاً في السجن وهو مقال عن “الثورة الروسية” صدر في عامى 1921-1922، ولا يزال يُعد من النصوص التأسيسية لنقد اشتراكية البلاشفة.

وجهت روزا لوكسمبورج عديدًا من الرسائل إلى ماتيلدا ياكوب (1873-1943) أقرب صديقاتها، كما هرّبت إليها رسائلها السرية، كانت ماتيلدا ياكوب إلى جانب ليو جيوجيتشيس المنظمة الحقيقية لرابطة سبارتاكوس. وحافظت بعد اغتيال لوكسمبورج على تركة لوكسمبورج الأدبية لكن حياتها انتهت في معسكر اعتقال تيريزينشتات.
الرسائل أهم وسيلة للتواصل مع العالم الخارجى، وبجانب الرسائل التى خضعت للرقابة كانت هناك أيضًا كثير من الرسائل السرية، جميع مقالات روزا لوكسمبورج المنشورة في مجلة “سبارتاكوس” غير قانونية ومجلة “كامبف” (النضال) الصادرة في دويسبورج خرجت من السجون عبر قنوات سرية، وقد أُعيد طبع “رسائلها من السجن” مرارًا وتكرارًا على مدى المئة عام الماضية حتى أن بعضها يعد من كلاسيكيات الأدب العالمى.
مقتطفات من معشبة روزا لوكسمبورج التى بدأت جمعها عام 1912.
تابعت روزا لوكسمبورج في السجن شغفها بعلم النبات واتجهت إلى علم المعادن وواصلت دراساتها في علم الطيور.
دفع اندلاع الحرب العالمية الأولى روزا لوكسمبورج وكارل ليبكنيشت (1871-1919) نائب الرايخستاج إلى التعاون سياسيًا. وأصبح المحامى بمعارضته مزيد من الاعتمادات الحربية مدافعًا  بارزًا لليسار الألمانى، ولم يُسكت اعتقاله في الأول من مايو عام 1916 صوته بل شجع ليبكنيشت الناس من جميع أطراف الحرب على مقاومة النزعة العسكرية، واغتيل المؤسس المشارك للحزب الشيوعى الألمانى مع روزا لوكسمبورج في 15 يناير عام 1919.

10 السلطة بأسرها للمجالس القرار تحويل الثورة السياسية إلى اجتماعية

آخر رايخستاج أم أول برلمان ثورى؟ اجتمع مؤتمر الرايخ لمجالس العمال والجنود في الفترة من 16 إلى 20 ديسمبر 1918 بمجلس النواب البروسى (برلين) الذى افتتحه ريتشارد مولر رئيس “مندوبى العمال الثوريين” ذوي التوجه الديمقراطي الشعبي.

أنبأت الثورة الروسية في فبراير 1917 باضطرابات ستجتاح ألمانيا أيضًا في خريف عام 1918، وفُتحت أبواب السجن أمام روزا لوكسمبورج مع ثورة نوفمبر لتتولى رئاسة تحرير صحيفة “روته فانه” (الراية الحمراء) في برلين، إن قيادة الحزب الاشتراكى الديمقراطى وضعت نفسها في طليعة الثورة – بهدف قمعها – ومن ثم عارضت لوكسمبورج بشدة قيادة حزبها السابق، بيد أن الحزب الشيوعى الذى أسس في مستهل عامى 1918-1919 تبنى برنامج صاغته لجماعة سبارتاكوس، وكان هدف لوكسمبورج جعل ثورة نوفمبر بألمانيا ثورة سياسية لا رجعة فيها، ودفعها مستقبلًا نحو ثورة اجتماعية، لكنها لم تقدر على تحقيق أى شيء يُذكر خلال الأيام الثمانية والستين المتبقية من حياتها، وبرزت فعلًا أولى الملصقات التحريضية ضدها في ديسمبر 1918وسرعان ما ساد جو أشبه بمذبحة، لقد اغتال ضباط ألمان روزا لوكسمبورج في 15 يناير 1919 ولم يُعثر على جثتها إلا في31 مايو.

كان “مندوبو العمال الثوريون” يسيطرون على السلطة في برلين إذ كانوا يمثلون 200 ألف عاملًا، ولم يكن في المقابل لدى الحزب الشيوعي الألماني (رابطة سبارتاكوس) بزعامة روزا لوكسمبورج سوى 300 مؤيدًا في برلين مطلع عام 1919، دعت أغلبية مندوبى العمال في مساء الرابع من يناير إلى مقاومة عزل رئيس الشرطة إميل إيشهورن (الحزب الشيوعى الألمانى)، لكن روزا لوكسمبورج لم تنشر هذا النداء، إلا أن أسطورة “انتفاضة سبارتاكوس” لا تزال متداولًة حتى يومنا هذا.
محاضر المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الألماني. رفضت روزا لوكسمبورج دومًا ترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أو لاحقًا الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل السلمي، وأجبرت على الانخراط فيه عام 1917 مع رابطة سبارتاكوس، لكن عندما هدد كارل راديك، رجل لينين في ألمانيا بتأسيس حزب يساري راديكالي جديد بأموال روسية في برلين بعد عيد ميلاد المسيح عام 1918 رضخت روزا لوكسمبورج، حيث رفضت رفضًا قاطعًا تسليم اليسار الألماني للبلاشفة، وخطت بدلًا من ذلك بنفسها نحو الأمام، بيد أنها لم تستطع حتى فرض اسمها، إذ تأسس “حزب شيوعي”  بدلًا من “حزب اشتراكي”.
لافتة تداولت من الرابطة المناهضة للبلشفية التى تأسست في أول ديسمبر 1918. تعرضت روزا لوكسمبورج للاضطهاد والقتل في عام 1919 ليس بوصفها فقط المرأة الأكثر تأثيرًا في اليسار الألمانى بل أيضاً لكونها “يهودية جاليسية”.
“جلسة شرب القتلة في فندق إيدن” هذا هو عنوان صحيفة “دى روته فانه” (الراية الحمراء) بعد أربعة أسابيع من مقتل روزا لوكسمبورج: وفي 10 مارس 1919 أغتيل ليو جيوجيتشيس أيضًا في سجن تابع للشرطة ثم رقى قاتله.
نصب تذكارى على جسر ليشتنشتاين فوق قناة لاندفير بحى برلين تيرجارتن  في برلين وصممه رالف شولر وأورزولينا شويلر فيتر، وفي هذا المكان أغرقت جثة روزا لوكسمبورج في 15 يناير 1919.

يروي هذا السجل بالتفصيل الأيام الـثمانية والستين الأخيرة من حياة روزا لوكسمبورج.